ابراهيم الأبياري

214

الموسوعة القرآنية

ومن قرأه بالهمز ، أو قدر في الألف أنها بدل من همزة ، فهو أيضا نصب على الظرف ؛ والعامل فيه أيضا « اتبع » ؛ والتقدير : عند من جعله من « بدا يبدو » : وما اتبعك يا نوح إلا الأراذل فيما ظهر لنا من الرأي ؛ كأنهم قطعوا عليه في أول ما ظهر لهم من رأيهم لم يتعقبون بنظر ، إنما قالوا بما ظهر لهم من غير يقين . والتقدير ، عند من جعله من « الابتداء » فهمز : ما اتبعك يا نوح إلا أراذل في أول الأمر ؛ أي : ما نراك في أول الأمر اتبعك إلا الأراذل . وجاز تأخر الظرف بعد « إلا » وما بعدها من الفاعل ثم صلته ، لأن الظروف يتسع فيها ما لا يتسع في المفعولات ؛ فلو قلت في الكلام : ما أعطيت أحدا إلا زيدا درهما ، فأوقعت اسمين مفعولين بعد « إلا » لم يجز ؛ لأن الفعل لا يصل ب « إلا » إلى اسمين ، إنما يصل إلى اسم واحد ، كسائر الحروف ؛ ألا ترى أنك لو قلت : مررت بزيد عمرو ، فتوصل الفعل إليهما بحرف واحد ، ولم يجز ، فأما قولهم : ما ضرب القوم إلا بعضهم بعضا ؛ فإنما جاز ؛ لأن « بعضهم » بدل من « القوم » ، فلم يصل الفعل بعد « إلا » إلا إلى اسم واحد . 28 - قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ « فعمّيت عليكم » : من خففه من القراء حمله على معنى : فعميتم على الأخبار التي تأتيكم ، وهي الرحمة ، فلم تؤمنوا بها ، ولم تعم الأخبار نفسها عنهم ؛ إنما عموا هم عنها ، فهو من المقلوب ، كقولهم : أدخلت القلنسوة في رأسي ، وأدخلت القبر زيدا ، فقلب جميع هذا في ظاهر اللفظ ؛ لأن المعنى لا يشكل ؛ ومثله قوله تعالى ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ) 14 : 47 وقيل : معنى « فعميت » ، لمن قرأ بالتخفيف : فخفيت ؛ فيكون غير مقلوب على هذا ، وتكون الأخبار التي أنت من عند اللّه خفى فهمها عليهم ، لقلة مبالاتهم بها وكثرة إعراضهم عنها . فأما معناه ، على قراءة حفص وحمزة والكسائي ، الذين قرءوا بالتشديد والضم على ما لم يسم فاعله : فليس فيه قلب ، ولكن اللّه عماها عليهم لما أراد بهم من الشقوة ، يفعل ما يشاء سبحانه ، وهي راجعة إلى القراءة الأولى ، لأنهم لم يعموا عنها حتى عماها اللّه عليهم . وقد قرأ أبى ، وهي قراءة الأعمش : « فعماها عليكم » ؛ أي : عماها اللّه عليكم ، فهذا شاهد لمن ضم وشدد .